فخر الدين الرازي
139
تفسير الرازي
قيل له : إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و : * ( قل يا أيها الكافرون ) * حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله ، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل : ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار التاسع عشر : لو قال له : لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * أما لما أمره بأن يقول بلسانه : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذباً ، فثبت أنه لما قال له قل : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * فلزمه أن يكون منكراً لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه . ولو قال له : لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه ، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان ، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له : * ( قل ) * يقتضي المبالغة في الإنكار ، فلهذا قال : * ( قل . . لا أعبد ما تعبدون ) * ، العشرون : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين وناراً للمشركين و : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الحادي والعشرون : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة ، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا ، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم ، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن الرد ، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك ، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم : * ( فإنا أعطيناك الكوثر ) * وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك ، الخوف بقولنا : * ( إنا شانئك هو الأبتر ) * فلا تلتفت إليهم ، ولا تبال بكلامهم ، * ( وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثاني والعشرون : أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي ، فقلت : * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) * فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين لأن طعن المشركين في ، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين ، وأنت أيضاً هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت : " اللهم أهد قومي " ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت : " اللهم املأ بطونهم ناراً " فههنا أيضاً قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفاً منهم ، أو لست خائفاً منهم فأظهر إنكار قولهم : * ( وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثالث والعشرون : كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة ، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئاً ولا تظهره بلسانك ، بل قلت لك على سبيل العتاب : * ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) * فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار ، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة ، وهي أعظم المسائل خطراً بالسكوت ، قل بصريح لسانك : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد تعبدون ) * الرابع والعشرون : يا محمد ألست قلت لك : * ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ) * ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت : * ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) *